
بقلم: راجي كمال الدين
خصت العرب الحب اهتماما كبيرا في اللغة والأدب. وفي التراث العربي نجد أكثر من خمسين اسما كلها تعبر عن الحب ودرجاته وأطيافه. ويعكس هذا الاهتمام حضور الحب في حياة العرب القدامى، وفي ونفوسهم ووجداناتهم من قبل، ضمن نفس القيم الأخلاقية والاجتماعية التي كانت سائدة في حياتهم، وخصوصا بعد انتشار الإسلام. الأمر الذي يؤكد أن أدبيات الحب لا تتعارض مع الإسلام بمعناه الحياتي والاجتماعي المتنور… وخصوصا حين يكون التعبير عن الحب، راقيا وموحيا، بعيدا عن الابتذال والخلاعة والإسفاف. في أسماء الحب التي نطالعها في التراث العربي، والتي اوردها الثعالبي في كتابه (فقه اللغة وسر العربية) نجد قدرة تعبيرية هائلة، ونلمس دقة نفسية وشعورية ولغوية في تجسيد كل معاني الحب، وظواهره وآلامه وأوجاعه وتولهاته وقيمه وأخلاقياته وتجاوزاته وشططه أيضا.
المحبة
قيل المحبة أصلها الصفاء؛ لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب الأسنان.
وقيل هي مأخوذة من الحب جمع حبة وهو لباب الشيء وخالصه وأصله.
وقيل بل مأخوذة من حبة القلب وهي سويداؤه. ويقال ثمرته فسميت المحبة لذلك لوصولها إلى حبة القلب.
وكلام الناس في المحبة كثير:
قيل: هي الميل الدائم بالقلب الهائم
وقيل: إيثار المحبوب على جميع المصحوب
وقيل: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب
وقيل: حقيقتها أن تهب كلك لمن أحببته ، فلا يبقى منك شيء
وقيل: هي أن يكون المحبوب أقرب إلى المحب من روحه
وقيل: هي ثبات القلب على أحكام الغرام وسلذاذ العذل فيه والملام.
قال ابن أبي الحديد:
ولا هتكن على الهوى ستر الحيا
إن الفضيحة في المحبة أجمـــــل
وقال ابن رشيق القرواني:
طراز غرامـي في المحبة مذهبٌ
وليس لوجدي في المحبة مذهبُ
العلاقة
وتسمى العلق بوزن الفلق فهي من أسمائها
وقد علقها بالكسر وعلق حبها بقلبه أي هواها وعلق بها علوقا.
يقول البحتري:
علاقة حبٍ كنتُ أكـــــــــــتم بثها
إلى أن أذاعتها الدموع الهوامــع
إذا العين راحت وهي عين على
الجوى فليس بسرٍ ما تُسر الأضلع
ويقول الأحوص الأنصاري:
وإني لأهــواها وأهوى لقيها كما
يشتهي الصادي الشارب المبرد
علاقــــة حب لج في سنن الصبا
فبلى وما يــــزداد إلا تجـــــــددا
الهوى
هو ميل النفس إلى الشيء وفعله هوي يهوى هوى مثل عمي يعمى عمى.
وأما يهوي بالفتح فهو السقوط ومصدره الهوي.
وقد أكثر الشعراء العرب القدامى من استخدام كلمة (الهوى) في التعبير عن الحب… فقال ابن الفارض:
ولي في الهوى علمٌ ُتجـَـل صفاته
ومن لم يفقهه الهوى فهو في جهل
وقال المتنبي:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربُهُ
وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي
الصبوة والصبا
والصبا الشوق ويقال: تصابى وصبا يصبو صبوة وصبوا أي مال الى الجهل وأصبته الجارية وصبي صباء مثل سمع سماعا أي لعب مع الصبيان
وسميت الصبوة بذلك لميل صاحبها إلى المرأة الصبية والجمع صبايا مثل مطية ومطايا، والتصابي هو تعاطي الصبوة
والفرق بين الصبا والصبوة والتصابي أن التصابي هي تعاطي الصبا وأن تفعل فعل ذي الصبوة، وأن الصبا فهو نفس الميل، وأما الصبوة فالمرة من فالمرة من ذلك مثل الغشوة والكبوة.
قال ابن نباتة المصري:
وجنان الخلد يفتحُ منها اللــــــــــــــــثمُ صدغاُ كالزرفيـن
كنت فيها أثرى الأنام من الصبوة واللهو والصبا والجنون
الصبابة
الصبابة هي رقة الشوق وحرارته. يقال: رجل صب عاشق مشتاق، وقد صببت يا رجل
والصبابة المضاعف من صب يصب والصبا والصبوة من المعتل.
قال أبو نواس:
أجبتُ إلى الصبابة من دعاني
وخالفـــتُ الذي عنــها نهاني
ولم يُرَ في الهوى مثلـي وفيٌ
إذا اللاحي عن حــــبٍ لحاني
وقال ابن زريق البغدادي:
هام الفؤاد بحبه فــــتأججت
نار الصبابة والجوى بهواه
الشغف
الشغاف غلاف القلب وهو جلدة دونه كالحجاب، يقال: شغفه الحب أي بلغ شغافه، وقد شغفها حبا.
قال صالح القزويني البغدادي:
صبٌ سقاه الحب صرف الشغف
فلم يزل من حبه في ســـــــــكْر
المقـة
المقة هي فعلة من ومق يمق. والمقة المحبة، والهاء عوض من الواو كالعظة والعدة والزنة؛ فإن أصلها فعل فحذفوا الفاء فعوضوا منها تاء التأنيث جبرا للكلمة وتعويضا لما سقط منها ، والفعل ومقه يمقه، أي أحبه فو وامق.
الوجـد
فهو الحب الذي يتبعه الحزن، وأكثر ما يستعمل الوجد في الحزن. يقال: وجد وجداً، ويقال: وجد مطلوبه يجده وجودا، فإن تعلق ذلك بالضالة سموه وجدانا ووجد عليه في الغضب موجدةٍ، ويطلق على محبة معها فقد يوجب الحزن.
الكلف
كلفت بهذا الأمر أي أولعت به فأنا كلف به وأصل اللفظة من الكلفة والمشقة، والكلف أيضا لون بين السواد والحمرة وهي حمرة كدرة تعلو الوجه. وفي كلف الحب يقول الشاعر:
فتعلمي أن قد كلفــــــــتُ بكم
ثم اصنعي ما شئت عن علم
التتيم
التتيم هو التعبد. قيل تيم الله: أي عبد الله، وأصله تيمه الحب إذا عبده وذلله فهو متيم.
يقول الشاعر محمد بن قمر الدين المجذوب:
ترى العاشق الساري يَحِن ويفصح
إذا هجع الداجون ليلا ويســـــــــبح
يلذ له التذكـــــــار إذا جاء مُصبـــحُ
وليس له من ذا التتيم مُشـــــــــرِحُ
العشق
فهو أمرُ هذه الأسماء وأخبثها. وقل ما ولعت به العرب، وكأنهم ستروا اسمه وكنوا عنه هذه الأسماء فلم يكادوا يفصحوا عنه إلا قليلا… ولا تكاد تجده في شعرهم القديم إلا لماماً، وإنما اولع به المتأخرون. ورجل عشيق مثل فسيق أي كثير العشق. والتعشق هو تكلف العشق.
وقيل العشق عجب المحب بالمحبوب يكون في عفاف الحب ودعارته.
وقيل أيضا: العشق الاسم والعشق المصدر، وقيل العشق نبت لزج وسمي العشق الذي يكون من الإنسان لالتصاقه بالقلب.
قال المتنبي:
وعذلــتُ أهلَ العــشق حتى دقته
فعجبتُ كيف يموتُ من لا يعشقُ
وقال ابن رشيق القرواني وهو أكثر من استخدم لفظة العشق في شعره:
وما العشق إلا موتُ نفسٍ إذا دعا
فإن نفوسَ العاشــــــــقين جوابُ
الجوى
الجوى الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن، تقول منه: جَوِي الرجلُ فهو جوٍ مثل دوٍ ومنه قيل للماء المتغير المنتن: جوٍ. قال الشاعر
ثم كان المزاج ماء سحاب
لا جوٍ آجن ولا مطــروق
الدنف
الدنف: لا تكاد تستعمله العرب في الحب قديماً، وإنما ولع به المتأخرون.
وقد استعملته العرب في المرض. الدَّنَف بالتحريك المرض الملازم، رجل دنف وامرأة دنف وقوم دنف، يستوي فيه المذكر والمؤنت والتثنية والجمع، وأدنفه المرض يتعدى ولا يتعدى فهو مُدنِفُ ومُدنَف. كأنهم استعاروا هذا الاسم للحب اللازم تشبيها له به.
قال ابن الرومي:
فداوِ حالــي بما في مصحتها
فإن حالي حال داؤها الدنف
الشجو
الشجو هو حب يتبعه هم وحزن. وأيضا الشجو: الهم والحزن. يقال شجاه يشجوه شجوا: إذا أحزنه، وأشجاه يشجيه أشجاء: إذا أغضبه. قال الشاعر:
لا تنكروا القتل وقد سبينا
في حلقكم عظم وقد شجينا
والشجى ما ينشب في الحلق من عظم وغيره، ورجل شجٍ أي حزين وامرأة شجية على فعله . فأطلق هذا الاسم على الحب للزومه كالشجى الذي يعلق بالحلق وينشب فيه.
الشوق
هو سفر القلب إلى المحبوب، وقد سمع هذا الاسم في السنة، لما علم الله شوق المحبين إلى لقائه ضرب لهم موعدا للقاء تسكن به قلوبهم، وبعد فهذه اللفظة من أسماء الحب، الشوق والاشتياق: نزاع النفس إلى الشيء، يقال: شاقي الشيء يشوقني فهو شائق وأنا مشوق وشوقني فتشوقت: إذا هيج شوقك.
الخلابة والحب والخادع
الخلابة هي الحب الخادع، وهو الحب الذي وصل إلى الخلب وهو الحجاب الذي بين القلب وسود البطن، وسمي الحب خلابة لأنه يخدع ألباب أربابه ، والخلابة: الخديعة باللسان، يقال: خلبه يخلبه واختلبه وفي المثل: إذا لم تغلب فاخلب، أي فاخدع
المزيد