عاشق لكل العصور: ابن حزم

كانون الثاني 28th, 2007 كتبها raji نشر في , الحب في التراث العربي

بقلم: أنيس منصور

دليل الأسى نارعلى القلب تلفح ودمع على الخدين يهمي ويسفح

إذا كتم المشغوف سر ضلوعه.. فإن دموع العين تبدي وتفضح

إذا ما جفون العين سالت شئونها.. ففي القلب داء للغرام مبرح

هذه أبيات ابن حزم الاندلسي الذي عاش في القرن العاشر، ولكن أبياته هذه وغيرها عاشت عشرة قرون أخرى، بل إن المستشرق الألماني بولك ينشر إحصائية تبين أن اسم ابن حزم قد تردد في اكثر من ستة آلاف كتاب كلها تتحدث عن الحب والغرام. ومن الغريب أن ابن حزم هذا من رجال الدين ومن العلماء.. ولكن لم يكد يكتشف المستشرق بتروف سنة 1924 كتابا نادرا لابن حزم اسمه «طوق الحمامة» حتى تحول ابن حزم الى إمام للعشاق والمحبين في العصور الوسطى في أوروبا والعصر الحديث.. ففي هذا الكتاب قد تحدث عن اسرار الحب والود والغرام والعشق.. وانواع النساء والهجر والصد.. وفن الرسائل.. وملامح المرأة وملاحتها أيضا.. وأحبهن إليه.. وابن حزم يستنكر نظرية الحب من أول نظرة.. وفي ذلك يقول: «وإن

المزيد


الحب في رمضان!

تشرين الأول 1st, 2006 كتبها raji نشر في , الحب في التراث العربي

بقلم: راجي كمال الدين

 يعتقد معظم الناس أن شهر رمضان هو شهر إجازة من الحب… وأن صوم الصائم عن الأكل والشرب والملذات، يستتبعه صوم مماثل عن الحب… لكن لو تأملنا في جوهر هذا الشهر الكريم لوجدنا أنه أجمل وأرقى تعبير عن معاني الحب.

أول ما يتعلمه الناس في رمضان هو حب الصبر… وأقول (حب الصبر) وليس (التعود على الصبر) لأن الصبر الذي يصبره الصائم في رمضان هو صبر طوعي… نلتزم به في السر والعلن… أمام الناس وأمام أنفسنا وقبل كل شيء أمام خالقنا.. ولذلك فهو أبلغ تعبير عن الحب الصادق… زليس العادة المكتسبة!

يتعلم الناس أيضا، كيف تقربون إلى الله بالصوم… والتقرب إلى الله محبة… إنه تعبير عن الحب الإلهي الذي يتسامى فيه الصائم مضحياً بجوعه وعطشه وبملذات حياته الأخرى، من أجل الفو

المزيد


أسماء الحب عند العرب

أيار 23rd, 2006 كتبها raji نشر في , الحب في التراث العربي

بقلم: راجي كمال الدين

خصت العرب الحب اهتماما كبيرا في اللغة والأدب. وفي التراث العربي نجد أكثر من خمسين اسما كلها تعبر عن الحب ودرجاته وأطيافه. ويعكس هذا الاهتمام حضور الحب في حياة العرب القدامى، وفي ونفوسهم ووجداناتهم من قبل، ضمن نفس القيم الأخلاقية والاجتماعية التي كانت سائدة في حياتهم، وخصوصا بعد انتشار الإسلام. الأمر الذي يؤكد أن أدبيات الحب لا تتعارض مع الإسلام بمعناه الحياتي والاجتماعي المتنور… وخصوصا حين يكون التعبير عن الحب، راقيا وموحيا، بعيدا عن الابتذال والخلاعة والإسفاف. في أسماء الحب التي نطالعها في التراث العربي، والتي اوردها الثعالبي في كتابه (فقه اللغة وسر العربية) نجد قدرة تعبيرية هائلة، ونلمس دقة نفسية وشعورية ولغوية في تجسيد كل معاني الحب، وظواهره وآلامه وأوجاعه وتولهاته وقيمه وأخلاقياته وتجاوزاته وشططه أيضا.       

المحبة

 قيل المحبة أصلها الصفاء؛ لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب الأسنان.

 وقيل هي مأخوذة من الحب جمع حبة وهو لباب الشيء وخالصه وأصله.

وقيل بل مأخوذة من حبة القلب وهي سويداؤه.  ويقال ثمرته فسميت المحبة لذلك لوصولها إلى حبة القلب.

وكلام الناس في المحبة كثير:

قيل: هي الميل الدائم بالقلب الهائم

وقيل: إيثار المحبوب على جميع المصحوب

وقيل: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب

وقيل: حقيقتها أن تهب كلك لمن أحببته ، فلا يبقى منك شيء

وقيل: هي أن يكون المحبوب أقرب إلى المحب من روحه

وقيل: هي ثبات القلب على أحكام الغرام وسلذاذ العذل فيه والملام.

قال ابن أبي الحديد:

ولا هتكن على الهوى ستر الحيا

إن الفضيحة في المحبة أجمـــــل

وقال ابن رشيق القرواني:

طراز غرامـي في المحبة مذهبٌ

وليس لوجدي في المحبة مذهبُ

 

العلاقة

وتسمى العلق بوزن الفلق فهي من أسمائها

وقد علقها بالكسر وعلق حبها بقلبه أي هواها وعلق بها علوقا.

يقول البحتري:

علاقة حبٍ كنتُ أكـــــــــــتم بثها

إلى أن أذاعتها الدموع الهوامــع

إذا العين راحت وهي عين على

الجوى فليس بسرٍ ما تُسر الأضلع

ويقول الأحوص الأنصاري:

وإني لأهــواها وأهوى لقيها كما

 يشتهي الصادي الشارب المبرد

علاقــــة حب لج في سنن الصبا

فبلى وما يــــزداد إلا تجـــــــددا   

الهوى

هو ميل النفس إلى الشيء وفعله هوي يهوى هوى مثل عمي يعمى عمى.

 وأما يهوي بالفتح فهو السقوط ومصدره الهوي.

وقد أكثر الشعراء العرب القدامى من استخدام كلمة (الهوى) في التعبير عن الحب… فقال ابن الفارض:

ولي في الهوى علمٌ  ُتجـَـل صفاته

ومن لم يفقهه الهوى فهو في جهل

وقال المتنبي:

وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربُهُ

وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي    

الصبوة والصبا

والصبا الشوق ويقال: تصابى وصبا يصبو صبوة وصبوا أي مال الى الجهل وأصبته الجارية وصبي صباء مثل سمع سماعا أي لعب مع الصبيان

وسميت الصبوة بذلك لميل صاحبها إلى المرأة الصبية والجمع صبايا مثل مطية ومطايا، والتصابي هو تعاطي الصبوة

والفرق بين الصبا والصبوة والتصابي أن التصابي هي تعاطي الصبا وأن تفعل فعل ذي الصبوة، وأن الصبا فهو نفس الميل، وأما الصبوة فالمرة من فالمرة من ذلك مثل الغشوة والكبوة.

قال ابن نباتة المصري:

وجنان الخلد يفتحُ منها اللــــــــــــــــثمُ صدغاُ كالزرفيـن

كنت فيها أثرى الأنام من الصبوة واللهو والصبا والجنون

الصبابة

الصبابة هي رقة الشوق وحرارته. يقال: رجل صب عاشق مشتاق، وقد صببت يا رجل

والصبابة المضاعف من صب يصب والصبا والصبوة من المعتل.

قال أبو نواس:

أجبتُ إلى الصبابة من دعاني

وخالفـــتُ الذي عنــها نهاني

ولم يُرَ في الهوى مثلـي وفيٌ

إذا اللاحي عن حــــبٍ لحاني

وقال ابن زريق البغدادي:

هام الفؤاد بحبه فــــتأججت

نار الصبابة والجوى بهواه

الشغف

الشغاف غلاف القلب وهو جلدة دونه كالحجاب، يقال: شغفه الحب أي بلغ شغافه، وقد شغفها حبا.

قال صالح القزويني البغدادي:

صبٌ سقاه الحب صرف الشغف

فلم يزل من حبه في ســـــــــكْر  

المقـة

المقة هي فعلة من ومق يمق. والمقة المحبة، والهاء عوض من الواو كالعظة والعدة والزنة؛  فإن أصلها فعل فحذفوا الفاء فعوضوا منها تاء التأنيث جبرا للكلمة وتعويضا لما سقط منها ، والفعل ومقه يمقه، أي أحبه فو وامق.

الوجـد

فهو الحب الذي يتبعه الحزن،  وأكثر ما يستعمل الوجد في الحزن. يقال: وجد وجداً، ويقال: وجد مطلوبه يجده وجودا، فإن تعلق ذلك بالضالة سموه وجدانا ووجد عليه في الغضب موجدةٍ،  ويطلق على محبة معها فقد يوجب الحزن.

الكلف

كلفت بهذا الأمر أي أولعت به فأنا كلف به وأصل اللفظة من الكلفة والمشقة، والكلف أيضا لون بين السواد والحمرة وهي حمرة كدرة تعلو الوجه. وفي كلف الحب يقول الشاعر:  

فتعلمي أن قد كلفــــــــتُ بكم

ثم اصنعي ما شئت عن علم

التتيم

التتيم هو التعبد.  قيل تيم الله: أي عبد الله، وأصله تيمه الحب إذا عبده وذلله فهو متيم.

يقول الشاعر محمد بن قمر الدين المجذوب:

ترى العاشق الساري يَحِن ويفصح

إذا هجع الداجون ليلا ويســـــــــبح

يلذ له التذكـــــــار إذا جاء مُصبـــحُ

وليس له من ذا التتيم مُشـــــــــرِحُ   

العشق

فهو أمرُ هذه الأسماء وأخبثها. وقل ما ولعت به العرب، وكأنهم ستروا اسمه وكنوا عنه هذه الأسماء فلم يكادوا يفصحوا عنه إلا قليلا… ولا تكاد تجده في شعرهم القديم إلا لماماً، وإنما اولع به المتأخرون. ورجل عشيق مثل فسيق أي كثير العشق. والتعشق هو تكلف العشق.

وقيل العشق عجب المحب بالمحبوب يكون في عفاف الحب ودعارته.

 وقيل أيضا: العشق الاسم  والعشق المصدر، وقيل العشق نبت لزج وسمي العشق الذي يكون من الإنسان لالتصاقه بالقلب.

قال المتنبي:

وعذلــتُ أهلَ العــشق حتى دقته

فعجبتُ كيف يموتُ من لا يعشقُ

وقال ابن رشيق القرواني وهو أكثر من استخدم لفظة العشق في شعره:

وما العشق إلا موتُ نفسٍ إذا دعا

فإن نفوسَ العاشــــــــقين جوابُ   

الجوى

الجوى الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن، تقول منه: جَوِي الرجلُ فهو جوٍ مثل دوٍ ومنه قيل للماء المتغير المنتن: جوٍ. قال الشاعر

ثم كان المزاج ماء سحاب

 لا جوٍ آجن ولا مطــروق

الدنف

الدنف: لا تكاد تستعمله العرب في الحب قديماً، وإنما ولع به المتأخرون.

 وقد استعملته العرب في المرض. الدَّنَف بالتحريك المرض الملازم، رجل دنف وامرأة دنف وقوم دنف، يستوي فيه المذكر والمؤنت والتثنية والجمع، وأدنفه المرض يتعدى ولا يتعدى فهو مُدنِفُ ومُدنَف. كأنهم استعاروا هذا الاسم للحب اللازم تشبيها له به.

قال ابن الرومي:

فداوِ حالــي بما في مصحتها

فإن حالي حال داؤها الدنف

الشجو

الشجو هو حب يتبعه هم وحزن.  وأيضا الشجو: الهم والحزن. يقال شجاه يشجوه شجوا: إذا أحزنه، وأشجاه يشجيه أشجاء: إذا أغضبه. قال الشاعر:

لا تنكروا القتل وقد سبينا

في حلقكم عظم وقد شجينا

والشجى ما ينشب في الحلق من عظم وغيره، ورجل شجٍ أي حزين وامرأة شجية على فعله . فأطلق هذا الاسم على الحب للزومه كالشجى الذي يعلق بالحلق وينشب فيه.

الشوق

هو سفر القلب إلى المحبوب، وقد سمع هذا الاسم في السنة، لما علم الله شوق المحبين إلى  لقائه ضرب لهم موعدا للقاء تسكن به قلوبهم، وبعد فهذه اللفظة من أسماء الحب، الشوق والاشتياق: نزاع النفس إلى الشيء، يقال: شاقي الشيء يشوقني فهو شائق وأنا مشوق وشوقني فتشوقت: إذا هيج شوقك.

الخلابة والحب والخادع

الخلابة هي الحب الخادع، وهو الحب الذي وصل إلى الخلب وهو الحجاب الذي بين القلب وسود البطن، وسمي الحب خلابة لأنه يخدع ألباب أربابه ، والخلابة: الخديعة باللسان، يقال: خلبه يخلبه واختلبه وفي المثل: إذا لم تغلب فاخلب، أي فاخدع

المزيد


في الحب النساء أعقل من الرجال

أيار 17th, 2006 كتبها raji نشر في , الحب في التراث العربي

 

بقلم: رجاء النقاش

 

عندما نراجع تاريخ الحب عند العرب سوف نجد أمامنا ظاهرة طريفة ولافتة للنظر، وهي أن الذين يصابون بجنون الحب هم من الرجال فقط، ولم نقرأ امرأة واحدة أصابها مثل هذا الجنون وأصبحت مشهورة به.

وأحد شعراء الحب الكبار عند العرب، وهو (قيس) أصبح مشهوراً على صفحات التاريخ بصفته وليس باسمه، وعندما يريد أحد أن يشير إليه يكفي أن يسميه باسم (المجنون) حتى يعرف الناس أن المقصود هو (قيس بن الملوح) أو (مجنون ليلى)

وقد كان جنون قيس في حبه شاملاً كاملاً، ولذلك كان شعره كله يدور حول حبيبته ولا شيء غير ذلك، وحياته ليس فيها سوى هذا الحب، وما كان صاحبه يعانيه من عذاب فيه انتهى به إلى أن عده الناس مجنوناً في صورة عاشق مفتون.

على أن قيساً ليس هو المجنون الوحيد في التاريخ العاطفي عند العرب، فهناك شعراء مشهورون آخرون عبروا عن درجات من الجنون العاطفي قد تكون اخف من جنون قيس، ولكنها في بعض الأحيان تبدو أكثر خطورة، لأنها تنطوي على شيء من التهور، وذلك ما يمكن أن نصف به شاعراً مثل عمر بن أبي ربيعة في زيارته لحبيبته (نُعَم) حيث اضطر إلى التخفي بملابس النساء حتى لا يكتشف أحد مغامرته المجنونة الطائشة؛ فإن كانت هذه المغامرة التي يقول لنا الشاعر إنه أقدم عليها بالفعل حقيقة واقعية، فهذا نوع من الجنون لاشك فيه، لأنه لو تم كشفه ومعرفة حقيقة أمره تحت ثوبه النسائي، لن يكون عقابه أقل من ذبحه وإهدار دمه عملاً بقول الشاعر العربي:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

حتى يُـراق علـــى جوانبـــه الدم

أما إذا كانت مغامرة عمر بن أب

المزيد


الحب في التفسير والأدب واللغة

شباط 12th, 2006 كتبها raji نشر في , الحب في التراث العربي

         د. عادل كامل الآلوسي

 يعود اهتمام المفسرين والفقهاء بقضايا الهوى والحب في التراث إلى أسباب فقهية، وإن كانت أ‘مالهم منصبة على الهوى وأنواعه وأسبابه وآثاره في الأدب والشعر، وقد رجع هؤلاء في تنظيراتهم إلى النصوص الدينية. ولكننا نلاحظ أن مقولاتهم ترشحت عنها مواد غريبة، أكثرها مأخوذ أو منقول عن أسفار العهد القديم، وقد اختلطت ـ لذلك ـ آراؤهم في موضوعات الحب والهوى واضطربت، وأسباب ذلك أن النصوص الواردة في العهد القديم والذي يطلق عليها (الإسرائيليات) مختلفة أصلاً، وقد ظهر هذا الاختلاف بحكم تعدد ترجمات التوراة، وتباعد الحقب الزمنية بين كل واحدة منها، وما أضيف إلى التوراة.
ولقد قاد هذا الاختلاف في ترجمات التوراة ورواياتها إلى اختلاف هؤلاء المفسرين والفقهاء في تأويلهم، فأخذ قسم منهم عن التوراة المتداولة التي تختلف عن الأصل، وإن كان بعضهم قد تنبه إلى ما فيها من اختلاف وتناقض وتبديل ولسنا معترضين على اجتهادات هؤلاء المفسرين والفقهاء وقدرتهم على معالجة النصوص، واستنتاجاتهم الذكية، ولكننا نتحفظ على كثرة ما توسعوا فيه من آراء حول تلك الموضوعات بما لا يتصل بضرورات التفسير القرآني، فقد حملوا تنظيراتهم عبئاً وأشاعوا بعض الحيرة في تفسير النصوص نتيجة إقحام بعض تلك الإسرائيليات.

ولكننا ربما نلتمس العذر لهؤلاء الأجلاء، في أنهم أرادوا نقل كل معارف عصرهم المتوارثة خدمة لأهدافهم، تاركين أمر غربلتها لمن بعدهم، لاحتمال أن يكون فيها فائدة في إيضاح بعض ما أجمل من النصوص التي اعتمدوها. حيث نجد شيئاً من الغرابة لدى بعض المجتهدين فالغزالي مثلاً، يما يتصل بعلاقة الرجل والمرأة، تجده يفسر ما ورد في سورة الفلق تفسيراً ينفرد فيه عن سواه، وإن كان يصدر عن قدرة في الاجتهاد.
ومن هذه الاجتهادات، تفسير قتادة (ت 117هـ) للآية الكريمة: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) البقرة/ 286، أي بالنساء. وفسر طاووس الآية الكريمة: (وخلق الإنسان ضعيفاً) النساء/ 28، أي في أمر النساء لا يصبر عنهن، وقد ذهب إلى هذا التفسير ابن قيم الجوزية.

واختلف الفلاسفة في نظرتهم إلى مفهوم الألفة والحب واختلفوا في مصدر هذه العاطفة، ولعل (إخوان الصفا وخلان الوفا) –النصف الثاني من القرن الرابع الهجري- كانوا السباقين إلى معالجة هذا الموضوع، ففي رسائلهم المشهورة فصل عن العشق، قسموا فيه العشق أصنافاً تتناسب مع أصناف النفوس.

ويعلل إخوان الصفا المحبة التي تكون بين شخصين بأن سببها (اتفاق مشاكلة الأشخاص في أصل مولدهما)، ثم لا يكتفون بهذا التعليل الفلكي بل يردفونه بتعليل فلسفي ديني، هو أن العناية الإلهية ربطت أجزاء الكون وأطرافه برباط من العلية والمعلولية، فالمعلول يشتاق إلى علته وينزع إليها، والعلة ترأف بالمعلول وتحن إليه.

وتعرض إخوان الصفا للحب، في تفسيراتهم، لآيات من القرآن الكريم، في سياق تناولهم بموضوع الجنة، وضربوا مثلاً في تكوينها بتكوين نفس العاشق والمعشوق.

ولقد حاول إخوان الصفا تقديم تعليل جديد لظاهرة الألفة والمحبة عامة والعشق خاصة، فقالوا: (العشق لا يكون دائماً للأشياء المستحسنة بسبب اختلاف أوجه الاتفاق بين كل عاشق ومعشوقة) وضربوا مثلاً لذلك، العلاقة بين كل حاسة ومحسوساتها، فالعين لا تشتاق إلى الألوان والأشكال، ولا تستحسن إلا أفضلها، والأذن لا تشتاق إلا إلى الأصوات والأنغام، ولا تستحسن إلا أفضلها، ولما كانت تراكيب أمزجة الحواس والمحسوسات كثيرة التغير غير ثابتة على حالة واحدة، صارت القوى الحساسة في إحساسها لمحسوساتها متغيرة، فنجد واحداً من الناس يستلذه في وقت ما شاء، ويستحسنه في وقت آخر ويكرهه ويتألم منه، كل ذلك، بحسب اختلاف التراكيب وفنون الأمزجة.

وكان الفارابي (ت 339هـ) قد تعرض لبعض قضايا الألفة والمحبة من خلال فهمه الفلسفي لبعض آيات القرآن الكريم مثل الآية: (هو الأول والآخر) الحديد/ 3، فيقول: إن الله هو المعشوق الأول، فلذلك هو آخر كل غاية، ويرى الفارابي إن الله عاشق، يعشق نفسه، لأنه خير محض، وجمال محض.

ولابن سينا (ت 428هـ) رسالة في العشق تحدث فيها عن عشق الظرفاء للأوجه الحسان، ويرى ابن سينا أن العشق نزوع إلى الكمال الذي ينبعث عن الخير المحض. ويشير ابن سينا إلى دور المحبة في توطيد الألفة وخاصة بين الزوج والزوجة، فالمحبة لا تعقد إلا بالألفة، والألفة لا تحصل إلا بالعادة، والعادة لا تحصل إلا بطول المخالطة، ويعيد ابن سينا أسباب الفراق بين المحبين إلى عدم الكفاءة، وسوء المعشر.

ويفرق ابن سينا بين العشق والشوق، ويرى أن العشق هو (السرور بتصور المحبوب في النفس) أو (هو الابتهاج بحضورها) أما الشوق فهو (محاولة إتمام هذا الابتهاج المصور بالتحسس الواقعي).

أما الغزالي (ت 505هـ) فيضع للحب أصولاً متعددة وأسباباً مختلفة، ولا يقف به عند أصل واحد، ولا سبب منفرد. وللمحبة ونقيضها البغض عند الغزالي أصول أربعة: فالأصل الأول: أن الإنسان لا يحب إلا ما يعرفه ويدركه، فالمعرفة والإدراك شرط سابق للحب. والأصل الثاني: أن الإنسان لا يحب إلا ما يوافق طبعه ويلائمه لأنه يلذه ويسيره، ولا يبغض إلا ما ينافر طبعه. والأصل الثالث: أن المحبوبات تختلف باختلاف الحواس والإدراك، فلكل حاسة نوع لذة تلائم وظيفتها، فالعين تلذ بأبصار الصور الجميلة، والأذن تلذ باستماع النغمات المتناسقة. أما الأصل الرابع: فللأخلاق أثرها في تكوين الحب أو البغض فكلما كان الخلق حسناً أوجب التحاب والتآلف والتوافق، وكل ما كان سيئاً كان التباغض والتحاسد.

واهتداء الغزالي إلى هذه الحقائق والأصول يجعله سابقاً لأصحاب مذهب النشوء والارتقاء أولئك الذين يجعلون (حب البقاء) أقوى دوافع الحياة الفردية، وسابقاً للنفسانيين المحدثين، ففي طبع الإنسان ميل إلى دوام وجوده، ونفرة من العدم والهلاك. والغزالي يقول: (إذا عرف الإنسان الله أحبه، ومتى عرفه تبرأ من كل ما في العالم، ولذلك فالحب هو المعرفة بالذات).

ومن أوجه الخلاف في قضايا الألفة والحب بين المفكرين والفلاسفة والمنظرين في التراث العربي، قضية الاختيار والاضطرار في العشق، وقد أثار ذلك جدلاً واسعاً، وهو انعكاس للآراء القدرية والجبرية.

يميل كثير من المفكرين إلى أن الحب قضاء من الله، ولا مرد لحكم الله، قال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)، ولذلك يرى بعضهم: إن وقوع الحب كوقوع العلل والأمراض. إذاً فهو قضاء من الله لا مفر منه، وانه لا ملامة على العاشقين إذا حل بهم.

وقال فريق آخر إن العشق اختياري، تابع لهوى النفس وإرادتها، فالعشق حركة اختيارية للنفس نحو محبوبها وليس بمنزلة الحركات الاضطرارية التي لا تدخل تحت قدرة العبد.

وأهل العشق فيما نرى، ينتمون إلى الجبرية من حيث يعلمون أو لا يعلمون، وهذا جميل بثينة يحاور ابن عمه ويقول له: يا أخي لو ملكت اختياري لكان ما قلت صواباً، ولكني لا أملك الاختيار، ولا أنا إلا كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً.

إن الاهتما

المزيد


حب وجنون وموت: أوجه الحب في التراث العربي!

شباط 12th, 2006 كتبها raji نشر في , الحب في التراث العربي

  • وليد صالح الخليفة

 

منذ البداية ارتبط تفسير أشكال الحب بالتوجهات الفلسفية والآراء التي كانت سائدة حوله في مختلف الحضارات. فكان لدى اليونانيين القدماء نمط من الحب يعرفونه باسم (إيروس)، وهو الحب الجسدي الخليع.
ويفسر أفلاطون هذه العاطفة من وجهة نظر فلسفية وينقلها إلى الجانب الروحي. أما سقراط فإنه يرى الحب على أنه جني عظيم أو روح كبير يحتل منزلة وسطي بين الآلهة والبشر، فهو ليس خالدا ولا فانيا، وهو ليس حكيما ولا جاهلا.
والنمط الآخر من الحب هو الحب الرومانطيقي الخالص المقترح بالآلام والحزن واليأس. ويعلم المحبون في مثل هذا الحب بأن عاطفتهم محرمة وليس لها أي مخرج حتى في الزواج، وليس هناك غير اليأس والقنوط. وبما أن الزوجة في ذلك المجتمع لم تكن سوى سلعة وكانت تعامل وكأنها أية بضاعة، فإن ذلك النمط من الحب لم يكن موجودا في الواقع سوى في الخيال أو في التصور.
والشعر التروبادوري صورة واضحة لهذا الشكل من العاطفة التي كانت منتشرة في الغرب بالعصر الوسيط. وعرف الغرب أيضا الحب العذري الذي تطور ضمن الشعر الغنائي والشعر التروبادوري، وكان في بعض الأحيان حبا مفتعلا لم يكن الهدف منه سوى إرضاء الحاجة الأدبية المعروفة.
وقد تطور تفسير الحب هذا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر بفضل آراء ابن سينا وقسطنطين الإفريقي، وهذا الأخير أدخل الطب العربي إلى الغرب بترجمته إلى اللاتينية الكثير من المؤلفات الطبية العربية. وكان قد ولد في تونس (1010 - 1087م) وتنصر ثم هرب إلى إيطاليا حيث مات راهبا بمدينة كاسينو. وحسب رأي الباحث والأستاذ الأسباني خوسي لويس كانيت فإن مؤلفي تلك الفترة ألقوا الضوء على عملية تفاعل تجري في الدماغ، تحدث لدى المصابين بمرض الحب. ويقول في هذا الصدد: اعتبارا من تلك اللحظة أخذوا يطلقون على تلك الكآبة اسم هيريوس كما صورها قسطنطين الإفريقي عندما ذكر بأن ذلك الشعور يبدأ في الانتشار في الدماغ وينشأ من رغبة غير منتظمة أو حادة.
وعدا الإيروس أو العشق وكذا العاطفة الآحادية الجانب، فإن القدماء كانوا
ي
عرفون نمطا آخر من الحب وهو (الأجابيه) الذي يقوم على علاقة عاطفية متبادلة. وتتفق مع مفهوم الحب في الدين المسيحي الذي يحرم العشق أو العاطفة المبالغ بها، لأنه يعتبرها صفة أنانية تتجاوز الحدود ويصعب التحكم فيها وتقوم على فلسفة السعادة الخاصة. بينما يكون (الأجابيه) حب إيثار وتضحية يقوم على العقل والحكمة والاستقرار العاطفي والسعادة المشتركة، وبالتالي فإن الخالق يكون مركزه ونواته ومحوره وليس الحبيبة.
ومن هذا النمط من الحب برزت تلك العاطفة التي تحلى بها القديسون والصوفيون الذين وجهوا مشاعر حبهم للخالق وحده لكونه الهدف الأعلى في نظرهم، ولأنه وحده يمثل فكرة الخير. وحب الآخرين ليس سوى وسيلة إلى الوصول إلى الخالق.
وعرف اليونانيون القدماء نوعا آخر من الحب أطلقوا عليه (فيليا) أو عاطفة الصداقة. إنها عاطفة متبادلة وقائمة على المساواة وتتمثل في الحب الإنساني الخالص الذي يجمع بين شخصين حرين.
وقد خصص العشرات من المؤلفين العرب في القرون الوسطى رسائل وكتبا كاملة لموضوع الحب والعشق فعالجوه من وجهات نظر مختلفة، انطلاقا من تكوينهم الثقافي واعتقاداتهم. وكان الجاحظ (776 - 869م) واحدا من أهم الكتاب الذين تناولوا هذا الموضوع في (كتاب النساء) و(رسالة القيان). وقد حلل الجاحظ مفهوم الحب والعشق من وجهة نظر عقلانية وعارض فكرة المتعة واللذة، وتوجه إلى العارفين بدعوة يطلب فيها أين يقوموا بمواجهة هذا المرض الذي يهدد النفس الإنسانية ويستعبد الرجال.
وقد أدان الكثير من المشرعين والفلاسفة والكتاب دور القينة واتهموها بإثارة ونشر الفساد في المجتمعات العربية. وكانت القيان، كما هو معلوم، يمتزن باللباقة والمهارة في جذب قلوب الرجال، وكانت لهن معرفة وإطلاع بالغناء وإنشاد الشعر والرقص والطرب. ولم تتهم بإشاعة الفساد بين الرجال فحسب، بل إنها اعتبرت أيضا سببا في تخنث بعضهم، وهو أمر كان يواجه معارضة ورفضا شديدين. وكان وراء كل هذه المواقف شيء مهم وهو خوفهم من أن يصبح مصير الدولة الاجتماعي والسياسي في أيدي رجال جعلوا إرادتهم وسلموا مصيرهم بيد النساء. هذه النظرة العقلانية تكررت لدى الكثير من الكتاب العرب في مختلف العصور مثل السراج (ت1106) في كتابه (مصارع العشاق)، وابن قيم الجوزية (ت1350) في روضة المحبين ونزهة المشتاقين، أو الفيلسوف المشهور الغزالي (ت1111) الذي درس في مؤلفه آداب النكاح وكسر الشهوتين عاطفة الحب والعشق، منتقدا إياها ومعتبرا لها خروجا عن طريق الصواب.وقد قال في صدد إمكان تحول الشهوة إلى عشق فذل فعبودية: قد تنتهي هذه الشهوة ببعض الضلال إلى العشق، وهو غاية الجهل بما وضع له الوقاع وهو مجاوزة في البهيمية لحد البهائم، لأن المتعشق ليس يقنع بإراقة شهوة الوقاع، وهي أقبح الشهوات، وأجدرها أن يستحيا منه، حتى أعتقد أن الشهوة لا تنقضي إلا من محل واحد. والبهيمة تقضي الشهوة أين اتفق، فتكتفي به، وهذا لا يكتفي إلا بشخص واحد معين، حتى يزداد به ذلا إلى ذل وعبودية إلى عبودية.
طروحات فلسفية طبية
1 ـ ابن حزم وطوق الحمامة: كتب ابن حزم (994 ـ 1063م) كتابه في الحب (طوق الحمامة) بمدينة شاطبة الأسبانية سنة 1022، والذي تطرق فيه إلى جملة من الأمور المتعلقة بهذه العاطفة وعرض نظريته حول مفهومه وتأثيره و

المزيد


ماذا قالت العرب في العشق والحب العذري؟

شباط 11th, 2006 كتبها raji نشر في , الحب في التراث العربي

      بغداد: عالية طالب

نتساءل أحياناً ما الحب؟

ويبدو السؤال ساذجاً هنا.. إذ لا يوجد من لا يعرف هذه الصعقة الكهربائية الوسيمة التي تجعل القلب يضطرب هلعاً من رؤية الجمال, غير أن هذا العالم الشاسع الجميل, ابعد من أن يكون رعشة عفوية تصيب القلب, وتجعل الدم وردياً متصارخاً في الشرايين, فمن منا لا يعرف هؤلاء (الدراويش) المتيمين الذين مضوا بعواطفهم إلى اختراق الخط الأحمر الذي يفصل بين العقل والجنون, ورغم ذلك فقد سجلوا حضوراً صاخباً في التأريخ, ومن هؤلاء, (جميل بن معمر الملقب بإمام المحبين, قيس بن الملوح مجنون ليلى- عروة بن حزام, صاحب عفراء, وقيس بن ذريح صاحب لبنى, وابن زيدون صاحب ولاّدة, وكثير عزة, وعباس بن الأحنف) وغيرهم.

يذكر صاحب كتاب الزهرة أن الحب شيء يختص به قوم برقة طبائعهم, وتآلف أرواحهم, فمن كان مثلهم يعذرهم, ومن خرج عن حدهم هان قوله, ويذكر أن ابن نوفل سئل مرة: هل يسلم احد من العشق, فقال:

(نعم, الجلف الجافي الذي لا فضل له ولا عنده فهم, أما من في طبعه أدنى ظرف, أو معه دماثة أهل الحجاز, وظرف اهل العراق فهيهات, (نهاية الأرب), ويذكر ابن قتيبة في الشعر والشعراء, أن قلوب العشاق رقيقة كأنها قلوب الطير تنماث كما ينماث الملح في الماء, وهم ينظرون إلى جمال محاجر أعين لا ينظر اليها الآخرون, ويستجيبون للحب استجابة لا يقدر عليها غيرهم, واستجابتهم للحب وسلوكهم حيال المرأة وتعبيرهم عن مشاعرهم, كلها أمور يفضلون بها ويتفاخرون بها فيما بينهم.

ويورد السراج في (مصارع العشاق) قول حكيم لتلاميذه, اعشقوا, فإن العشق يطلق اللسان العيي, ويفتح حيلة البليد, ويبعث على التنظيف وتحسن اللباس, وتطيب المطعم, ويدعو إلى الحركة والذكاء وتشريف الهمة, وإياكم والحرامة, وقد أكد جميع من كتبوا في الحب من العرب اثر هذه العاطفة النبيلة في (تهذيب الخصال وتزكية الخلال ونمو الشخصية), وقد أورد ابن حزم في (طوق الحمامة ) هذا حيث يقوله من خصال العاشق انه يجود ببذل كل ما كان يقدر عليه مما كان ممتنعاً قبل ذلك, (فكم من بخيل جاد, وقطوب تطلق, وجبان شجع, وغليظ طبع تظرف, وجاهل تأدب, وتفل تزين).

وتفرق العرب بين العشق العفيف الطاهر الورع وبين ما سواه. وقد كتب العديد من العلماء في هذا, ومنهم ابن سينا في رسائله سيما (رسالة في العشق) حيث أورد قوله (إن من شأن العاقل الولوع بالمنظر الحسن من الناس, وقد يعد ذلك منه في بعض الأحيان تظرفاً وفتوة,) ويحدد الشيخ الحب المختلف عن الفسق بقوله (وعشق الصورة الحسنة قد تتبعه أمور ثلاثة, أحدها حب معانقتها, والثاني حب تقبيلها, و(أما ما سواه), فلا ينساغ إلا لرجل في امرأته).

ويؤكد هذا المعنى اعتراف جميل بن معمر العذري الذي ورد في (مصارع العشاق), والذي يدافع فيه عن طهر حبه بثينة, مؤكداً انه لم يمسها يوماً بريبة, فيقول (أنا في آخر يوم من أيام الدنيا, وأول يوم من أيام الآخرة, فلا نالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها بريبة قط, وان أكثر ما كان مني إليها أني كنت اخذ يدها واضعها على قلبي فأستريح).

ويؤكد جميل ذلك أيضا في قوله: وقال خليلي: ما لها إذ لقيتها غداة الشبا فيها عليك وجوم فقلت له: إن المودة بيننا على غير فحش والصفاء قديم.

وما أروع جواب العذري الذي سئل مرة عن سبب موت قومه من الحب, إذ قال:

ذلك لأن في نسائنا صباحه, وفي فتياننا عفة.

ويذكر القالي في كتاب (الامالي) أن ليلى الاخيلية حبيبة توبة بن الحمير أقبلت على الحجاج يوما, وقد كبرت وشابت, فسألها الحجاج وكان في سؤله ريبة أدركتها, هل رأيت منه شيئاً تكرهينه؟

قالت ليلى:

لا والله الذي اسأله أن يصلحك, ما رأيت منه شيئاً حتى فرق الموت بيني وبينه.

ويورد الاصفهاني في أغانيه حادثة جميل بن معمر حيث عبثت الريبة بقلب والد بثينة وأخيها, فقصدا المعشوقة وقد اشتملا على سيفين عقب علمهما أن جميلاً عندها, وحين اقبلا, رأياه جالساً حجزة منها يحدثها ويشكوها بثه, وأصغى الوالد والأخ إلى أحاديث العاشقين من حيث لا يعلمان, فتأكدا من سمو هذه العلاقة, وبعدها عن الفحش والمنكر وحينذاك قال أبوها لابنه: قم بنا, فما ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها.

هذا هو موجز العشق والعفة, وقد أفردت المكتبة العربية القديمة الكثير من المؤلفات في هذا الشأن, واشهرها تزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق للأنطاكي, و(طوق الحمامة) لأبن حزم, و(رسالة ابن سينا في العشق), وكتاب (الزهرة) لأبن داود, و(مصارع العشاق) للسراج, و(الاغاني) لأبي فرج الاصفهاني, و(خزانة البغدادي الامالي) لأبي علي القالي, و(روضة المحبين ونزهة العشاق) لأبن الجوزية, و(مشارق أنوار القلوب) لأبن الدباغ, و(الحب العذري) للجواري .

ولابد لمثل هذا الحب الذي ظلت انفجاراته مدوية عبر القرون من أن يكون الطرف الثاني فيه المرأة كائنا مختلفاً, حتى إن النساء يتضاءلن أمام حسنها حياءً من هيبته, فلنقرأ ما قاله كثير في عزة:

لو إن عزة خاصمت شمس الضحى

في الحسن عند موفقٍ لقضى لها

وسعى إلى بصرم عزة نسوة

جعل المليك خدودهن نعالها

وهذا العباس بن الاحنف المشوب القلب, المأسور الفؤاد, يخاطب من أحب فيقول مفاخراً:

إن النساء حسدن وجهك حسنه

حسن الوجوه لحسن وجهك حاسد

جال الوشاح على قضيب زانه

رمان صدر ليس يقطف ناهد

فيما يصف ابن زيدون ولادة التي أفرط في حبها:

ربيب حسن كأن الله أنشأه

مسكاً وقدر إنشاء الورى طينا

اوصاغه ورقاً محضاً وتوجه

من ناصع التبر إبداعا وتزيينا

كأنما أنبتت في صحن وجنته

زهر الكواكب إبداعا وتحسيناً

وهذا جميل بن معمر إمام العشاق - يقول في وصفه بثينة:

هي البدر حسنا

المزيد