القول في الحب

كتبهاraji ، في 27 تشرين الأول 2007 الساعة: 09:50 ص

بقلم: عزت القمحاوي

كنت أفكر في الرسالة الإلكترونية التي تقول بحسم تلغرافي: لقد سقطت اليوم طوبة من جدار حبنا . بقدر ما أتعبني الخبر بقدر ما سلاني الاكتشاف المعرفي، فالحب بحسب الرسالة، جدار يهدم طوبة طوبة. وبالاستدلال المنطقي فلابد أنه يبني طوبة طوبة أيضاً. وهذا توصيف جديد يناقض ما استقر في ضمير البشرية بسبب اليونان والإغريق الذين اعتبروا الحب سهماً تطلقه الآلهة فيخترق قلوب المحبين.
أراح اليونانيون والإغريق أنفسهم وألقوا بمسؤولية الحب علي الآلهة. وكان من الطبيعي أن يخفقوا في توصيفه وتعريفه. في المأدبة يضع أفلاطون تعريفاً علي لسان سقراط: الحب هو الشعور بالرغبة في شيء لم تكتسبه بعد ومعني هذا التعريف الكارثة، أن اللحظة التي يكتمل فيها بنيان الحب هي ذاتها اللحظة التي تبدأ فيها أحجاره بالتساقط، حجراً وراء حجر.
الأسوأ أن أفلاطون كان يفرق بين الحب العامي الزائل والفاسد حب الجسد وبين ما يدعوه الحب النبيل حب الرجلين في العلم ومن حسن الحظ أن هذه المحاولة المبكرة لخصاء البشرية قد فشلت، فالعالم يمضي علي هدي من أشواق جسده وليس علي أفكار المفكرين؛ يعشق الناس كيفما اتفق من دون الالتفات إلي تعريف الحب.
الكثيرون حاولوا، وبينهم إمامنا الفقيه ابن حزم الذي كان أكثر تواضعاً وأمانة من أفلاطون، عندما أجاب بـ لا أدري: الحب ـ أعزك الله ـ أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها عن الوصف ، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة .
أستاذ أمريكي من أصل إيطالي فجع بانتحار إحدي ألمع تلميذاته واكتشف أنه لا يعرف شيئاً عن حياة الطلاب، وخمن أن سبب الانتحار هو الحب، وهو تخمين لايحتاج إلي كثير من الذكاء، فالناس ينتحرون عادة عندما يحصلون علي الحب وعندما يحرمون منه، ولانستطيع أن نحصي أعداد الفريقين لنعرف أيهما أكثر قتلاً: الحرمان أم التحقق؟!
في مقابل ميتات المحرومين من أمثال روميو وقيس، هناك ميتات السعادة بالحب.. في فيلم فرنسي بعنوان الحلاقة يتردد البطل الغامض علي صالون الحلاقة الشابة حتي تنتبه إليه وتحبه، ولكنه ينتحر إثر ليلة حب رأي أنه لن يصل إلي سعادتها ثانية.
نعود إلي الأستاذ ليو بوسكاليا الذي أنشأ فصلاً دراسياً عن الحب كان مثار تندر زملائه. أضاع الرجل وقت الطلاب وكانت النتيجة كتاباً مملاً أتخمه بالحكايات والأقوال المأثورة، من دون أن يصل إلي تعريف قاطع للحب!
هناك تعريفات بعدد تجارب العشق، أكثرها دنيوية وحسية ما يرد في ألف ليلة حنت أعضاؤه . تشد الليالي الحب إلي طابعه الدنيوي، لكنها تؤمن بقدرية وقوعه كالصاعقة، فعادة ما نقرأ: نظرت إليه نظرة أعقبتني ألف حسرة وتعلق قلبي بمحبته أو فلما نظرت إليه مال قلبي له وحبيته .
هذه الرؤية للحب بوصفه صاعقة تولد حنيناً منفلتاً للأعضاء أكدتها ـ بعد ألف ليلة ـ روايات الفجائع العشقية: الأحمر والأسود ، آنا كارنينا ، مدام بوفاري و عشيق الليدي شاترلي .
ويمكننا أن نضع في باب تآلف الأعضاء تعريف سومرست موم للحب، باعتباره قدرة اثنين علي استعمال فرشاة أسنان واحدة. وجرياً علي هذا التعريف الحسي يمكننا أن نقول الشرب من كأس واحدة، أو حتي من دون كأس، في استعاضة عن الكؤوس بفجوات الأجساد. هذا التعاون للأعضاء يبدأ في التبدد مع كل طوبة تسقط من جدار الحب. لكن كثيراً من العشاق لاينتبهون إلي الكارثة المحدقة عندما تظهر الفرشاة الثانية في الحمام، أو عندما تظهر الكأس الثانية علي الطاولة، فكما للحب علامات، للبغض علامات أيضاً إذ يبدأ الجسد في التزام حدوده إلي جوار الآخر، وباكتمال الانهيار يمسي التجاور ذاته مستحيلاً، وهنا يأتي دور الرسائل.
بسبب من لعثمات البداية والنهاية في الحب سيبقي فن الرسائل حياً مهما قيل عن طغيان عصر الاتصالات. تأتي الرسالة الأخيرة، إما إلكترونية أو يدوية لتشرح استحالة الاستمرار.
وأقسي ما في الرسالة الأخيرة سقوط أسماء التدليل التي نبتت لنا مع الحب. ومن حسن الحظ أن أسماءنا التي أعطيت لنا يوم الميلاد لاتسقط عنا بالكامل، بل تظل تعمل في دوائر أخري، وعندما نستردها في رسالة أخيرة نجرجرها كما نجرجر جريحاً تحت القصف، لكنها رغم الألم تحيا مجدداً وهذا حسن.
ربما لايعجب من يعيشون بعد عثرات حبهم الأول الحديث عن النهايات أو تعريف الحب بوصفه حنيناً للأعضاء.
الحب الأول شعاره الخالد إلي الأبد ويكفيه بؤساً أنه يشترك في هذا الشعار مع الديكتاتورية القميئة. وليس للأعضاء من أهمية في سن الإيمان بالمطلقات، فالحبيبة هي الأجمل، والأكمل، وليس هناك من قدرة تستطيع أن تقنع الرومانسيين بأن المرأة كالرجل، لديها جسد يتعرق وفم تجهد لتنظيفه عندما تحب، والأخطر أن لديها ـ مثله ـ عمراً ينتهي.
العمر ممتد أمام الحب الأول كطريق بلا نهاية. وليست هذه هي الجبلة الوحيدة التي يشترك فيها مع الدكتاتورية، بل يشترك معها في قدرته علي مصادرة المستقبل، فبعدما ينتهي ـ وعادة ما ينتهي أو لايتم أصلاً ـ لايدعنا نذهب إلي حب جديد إلا مكبلين بأصفاده!
نقع في الحب، من دون أن ننتبه أننا محكومون بمرجعيات جمالية تفرضها ديكتاتورية الحب الأول، الذي يحكمنا بنار عدم اكتماله فيظل الرجل منا يبحث بقية عمره عن فلجة الأسنان التي أحبها، أو تقويسة الأنف، وربما رائحة الخبيز التي شمها في ملابس عذراء شاغلته عن البكاء بنبع جاف. وقد تعيش المرأة تبحث عن خصلة الشعر البيضاء التي يستنكفها المسنون من زعمائنا غير المحبين. (نسيت أن أقول إن بطل فيلم الحلاقة كان يسعي في كهولته إلي الحلاقة الشابة بسطوة الحنين إلي حلاقة كهلة تتيم بها في طفولته).
ديكتاتورية الحب الأول التي ظاهرها العذاب، قد تكون هي نفسها المسؤولة عن دفعنا إلي الحب مجدداً، وبذل المحاولة إثر المحاولة. ومثلما لايعرف أحد الأسباب التي تدفع فسيلة إلي الانبثاق من جسد أمها النخلة، لايستطيع أحد أن يمنع حباً جديداً من أن يولد تحت حب قائم بالفعل. وكما يمكن للفسيلة أن تعيش تحت أمها يتمكن البعض من الجمع بين حبين، ليس الرجال فقط، بل والنساء أيضاً علي الرغم من أن المرأة أقرب للتوحيد في الحب.
وقد حكي لي صديق مسن ـ معظم أصدقائي من المسنين ـ بعد أن انتهي زمن التكتم الخاص به، أن حبيبته كانت تحبه بقدر ما تحب رجلها الآخر. وكانت تعيش بينهما بشكل فني من دون أن تشعر بالذنب، تستكمل من أحدهما ما يعز عند الآخر. ويقول إنه وهي فكرا أن يذهبا إلي مقهي ذات ليلة بعد أن فشل في إيصالها إلي آخر الدرب. وهناك في الحي القديم اعترضتهما متسولة بدأت بالدعاء له: ربنا يخلي لك الهانم ولما لم يرق لها تحولت بالدعاء لصالح الهانم شخصياً: ربنا ينولك اللي في بالك يا مدام أجزلت لها وبعد ساعة من انصرافهما وجدها تهمس له عبر الهاتف: لقد استجيبت دعوة الشحاذة!
وهناك اثنان من كبار كتاب هذا الزمان: أناييس نن وهنري ميللر أحبا بعضهما، وتركا مذكراتيهما التي تشابهت فيها الاعترافات كانت لدي هنري إمرأة أخري، وكانت لدي أناييس إمرأة أخري أيضاً!
أناييس في يومياتها تفسر نفسها بأنها كانت مكونة من شظايا، وتحاول أن تعوض بتعدد التجارب محدودية حياة الإنسان، الطريف أنها وقعت في حب جمال المرأة جيون وفي حب موهبة الكاتب (هنري يمنحني عالم الكتابة، جيون تقدم لي المخاطرة) كانا من عالمين مختلفين: هو حذر دائماً وهي مندفعة دائماً. كان هنري يقول عن صديقة صديقته إنها إمرأة صادقة، وتعلق أناييس ـ من دون اتفاق معه ـ كان لنا جميعاً أن نكون صادقين إزاء اللحظة النابضة.
المرأة الأخري لدي هنري كانت زوجته يون. وفي حواره المطول مع كريستيان دي بارتيا (وترجمه إلي العربية خالد النجار) شهد لصالح حبيبته التي تفتقد الإحساس بالذنب، ويتأسف لأن الزوجة يون طلبت الطلاق لأنها كانت تغار من أناييس ولم تقدر علي الاستمرار في العيش ثلاثتهم معاً، وهذا برأيه لأنها كانت قوية وشديدة التملك!
وقد لايكون الجمع بين الحبين أكثر أنواع الحب غرابة، لكن الحب علي وجه العموم ابن للغرابة وليس الاعتياد، وسحره في غرابته وغموضه، بما في ذلك ظهوره المباغت في أقصي وأقسي انعطافات حياتنا وعورة.

جريدة (القدس العربي) 27/10/2007

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : منبر العشاق | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “القول في الحب”

  1. شيئ جميل جدن فهذ شيئ بين المحبين وكلمتها معبر جدن

  2. فعلآ شيئ جميل وكلمتها معبر الى العشاق



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر