الحب والصداقة- دفء الصداقات في صقيع الغربة!

كتبهاraji ، في 15 تشرين الثاني 2006 الساعة: 18:38 م

بقلم: راجي كمال الدين

تكتسب علاقات الصداقة في الغربة، أهمية خاصة لدى البشر عموما، باعتبارها تقدم نوعا من التعويض عن قسوة الابتعاد عن الأهل والوطن وعن افتقاد دفء الجو الأسري، والعلاقات الاجتماعية الأخرى

الغربة تجربة قاسية، محفوفة بالمشاق وقلق البداية والتأسيس للعمل او الحياة في وسط مختلف ومناخ غريب، وهي تطبع مشاعر المرء بطابع اللوعة والاشتياق، وثمة الكثير من الأشخاص الذين يصعب عليهم التأقلم مع تجربة الاغتراب، وخصوصا إذا كانت تنطوي على ظروف معيشية قاسية، تذكر الإنسان بنفس الظروف التي واجه قسوتها ومرارتها في وطنه، ودفعته بالتالي إلى البحث عن فرصة للعيش أو العمل في مكان آخر، وهؤلاء سرعان ما يفضلون العودة إلى محيطهم بعد وقت قصير، للبحث عن سبل العيش هناك من جديد، وقد اكتشفوا في أنفسهم قدرة جديدة على التعامل مع منغصات الحياة في اوطانهم، أو القبول بها والاستسلام لها… إن لم تتاح لهم شروط افضل. لكن ثمة بالمقابل من يتأقلم مع الغربة، بل ويصبح أسيراً لها، وهؤلاء ييبتكرون وسائل مقاومة من نوع آخر كمحاولة الاندماج في المجتمع الجديد، أو عقد الصدقات وإنشاء شبكة علاقات اجتماعية خاصة بهم. .

في البداية يبحث المغترب عن الأشخاص اللذين يتماثلون معه في الخصائص والطباع والظروف، وهو هنا يحاول أن يجد قواسم مشتركة يمكن ان تشكل جسور التقاء مع الصديق الذي يأمل أن يجده… وفي البداية قد تكون نقطة البحث من مكان العمل، أو من مكان السكن… فعلاقات الزمالة، ثم علاقات الجوار، قد تكون الظرف النسب الذي يصنع هذه الصداقة… وفي مرحلة الاقتراب من بناء علاقات الصداقة، يبحث المغترب عمن يجدهم من أبناء وطنه، وإن لم يجد فمن أبناء قوميته ودينه… لأن مثل هذه القواسم المشتركة، ضرورية لكي يشعر الإنسان بأن هذا الصديق الذي يبحث عنه، يحمل شيئا من التماثل في العادات والتقاليد أو الانتماء والذكراة الجماعية المشتركة… الأمر الذي يمكن ان يخفف من وطأة الغربة في المحيط المختلف الذي يحاول المغترب ان يتأقلم معه، او ان يحتمل مرارة اختلافه والشعور بالوحشة عنه وفيه.

طبعا هذه القاعدة، ليست هي الأساس الوحيد لقيام علاقات الصداقة فسي الغربة، إذ قد تنشأ أيضا، صداقات بين أناس مختلفين في العادات والتقاليد، ومن بلدان وجنسيات وقوميات شتى… وفي هذه الحال يلعب العامل الذاتي دورا مهما، فقد نعثر في مثل هؤلاء على صفات ومميزات ومهارات في التواصل، قد لا نجدها بين أبناء وطننا أو قوميتنا… وغالبا ما يعمق التعامل اليومي في محيط العمل إحساسنا بمثل هذه المزايا، ناهيك عن البعد الإنساني العام الذي يلعب دوره أيضا. فالبشر قد يتقاربون، ويعقدون الصداقات وقد تنشأ بينهم علاقات عاطفية ودودة، بحكم الإحساس الإنساني الذي يجمعهم… إحساسهم المشترك بالألم، وإحساسهم المشترك بالسعادة، وإحساسهم المشترك بالرغبة بالبوح بالهموم، والحديث عن الشوق للوطن والأحبة، والحديث عن الانتصارات، وتذوق طعم النجاح، أو تخفيف جرعة الإحساس بالفشل في لحظة عابرة… كل هذا يجمعهم ويجعل منهم أصدقاء وأخوة وعشاق على درب الحياة الطويل.

وبالنسبة للأشخاص المرهفي الإحساس فالغربة هي تجربة إنسانية، تصقلهم من الداخل، تنمي فيهم مشاعر الألفة المفتقدة أو المشتهاة، وتشعرهم بأهمية الحب في بناء شخصية الإنسان، وفي صياغة تجربته الحياتية ككل… فيصبحون أكثر حرصا على شفافية وصدق علاقاتهم مع الآخرين، وعلى رعاية صداقاتهم التي تبنى تحت وطأة الحاجة للتواصل الإنساني، والحاجة لمساعدة الآخرين، والحاجة أيضا لأن نكون مصدر هذه المساعدة إذا اقتضى الأمر، لأن المشاعر الإنسانية تحرك دوافعنا النبيلة في الأخذ والعطاء معا، وتجعل منا بشرا قادرين على صناعة السعادة وتذوقها في آن معا.

الصداقة في الغربة، تجربة حب إنساني خالصة… ربما لانشعر بكثافتها العاطفية والإنسانية حين نكون في اوطاننا وبين أهلينا وأصدقائنا ومع الوجوه التي ألفناها وألفتنا… ولذلك فهي حاجة إنسانية ملحة، قد لا تتوفر بسهولة بحكم الظروف القاسية التي تطبع الغربة عموما، والتي تجعل منها في الغالب رحلة للبحث عن المال والرزق فقط… لكن في نظر الكثيرين، فالبحث عن المال يمكن أن يتعايش مع البحث الإنساني عن الصداقات، إن لم يضع المغترب المال هدفاً وحيداً وحصرياً لكل شيء في غربته وفي حياته.

وقد يكون عقد الصداقات في الغربة أمراً سهلا، وأيسر انتشارا، وخصوصا بين الجاليات والأفراد من المغتربين أنفسهم، أي ليس بين المغترب وابن البلد بالضرورة، لكن استمرار هذه الصداقات وتجذرها على أساس إنساني أصيل، وقادر على مقاومة المتغيرات والظروف، هو ما يبدو صعباً، ويحتاج إلى وقت وإلى بناء جسور ثقة، وقبل كل ذلك صفاء في النوايا ونبل في الأهداف والغايات

.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الحب والصداقة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “الحب والصداقة- دفء الصداقات في صقيع الغربة!”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    شاركونا فى حملة لا للفساد الاعلامي نعم للإعلام الهادف …

    و ساهموا معنا فى نشر الحملة عسى و لعل نبلغ مآربنا ان شاء الله

    رابط الحملة : http://www.petitiononline.com/hamla001/petition.html

    مقرنا : http://i3lam06.jeeran.com

    اختكم فاعلة خير

  2. الصداقة طريق لحياة، وعلى قدر ما هي حاجة ملحة للإستعانة بها على الدنيا ومشاغلها فقد تكون زيادة على هموم أخرى، فاختيار الصديق النبيل والمخلص هي أصعب الأمور وأهمها، وتختلف طبيعة الصداقة باختلاف الظروف المتكونة فيها، وفي كل خير، فكلمة بسيطة من صاحب أو قريب قد تهون الكثير من الصعوبات والآلام.

    تووووووووووووف.

  3. مقالة رائعة يا اخ راجي… لك الله يلعن الغربة واللي بيدفع الناس للغربة… وصدوقوني الأصدقاء بالوطن غير نكهة …والحب بالوطن غير نكهة… ودفا الوطن ما في مثلو دفا

  4. صراحة كل ما دخلت مدونتك وأردت التعليق , تاهت مني الكلمات ولا أعرف ما اكتب ,, مدونة رائعة لشخص تدل مواضيعه على روعته … ادامك الله ووفقك ..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر